بدا لي مرتبكا أكثر من اللازم ، كان مروره في الممر بين الركاب متأخرا جدا – رغم تأخر الرحلة أكثر من ساعتين - قبل إقلاع الرحلة بدقائق أمر غير عادي ، ليس في ارتباكه الواضح ، وليس في فوضاه في حمل حقيبة ملابسه الثقيلة ، وليس لأنه متأخر بهذا الشكل ، إنما لأن هاتفه المحمول كان يرن بشكل متواصل منذ أن ولج إلى الطائرة ، حتى أنه أثار الرجل الملتحي الذي كان يفصلني عنه الممر بنغمة هاتفه التي كانت موسيقى تركية لمسلسل كان يعرض على شاشة إحدى القنوات الفضائية .
رد على هاتفه " لقد ركبتُ الطائرة ، أرجوك إن كان هناك خبر سيء فأخبرني " سكت قليلا ثم قال " لا لم تقلع الطائرة بعد … ساعة ونصف من مطار تبوك إلى مطار جدة " ثم أضاف بعد لحظة " أنت من سيستقبلني ؟ … إذن حاول أن تكون هناك بعد ساعة ونصف من الآن " .
أغلق الهاتف ، وعينه مركزة على أرقام المقاعد المعلّقة فوق رؤوسنا ، وضع حقيبته في الدرج أعلى رأسي وانسل كوهم إلى المقعد المجاور لي بجانب النافذة ، كان من الجيد أن يقف إزاء الحياة بجبروتها الضخم لينظر إليها من أعلى ليعرف جيدا بأنه بشر يشبه الطفيليات كثيرا .
أسند رأسه إلى الخلف كأنه يتبرأ من فوضاه وهمومه ، أخذ نفسا عميقا كأنه ينتزع الهواء من رئتيه انتزاعا ، كان وسيما بالقدر الذي يستطيع من خلالها إغواء مراهِقة ، أغمض عينيه بخفة وألم ، تنهد كأنه يتذكر شيئا ما ، فاعتدل في جلسته وسحب هاتفه المحمول .
أعترف بأني كنت فضوليا بالجملة ، فقد كانت عيناي مركزتان على هاتفه المحمول ، فتح الرسائل ، وبدأ بكتابة رسالة قصيرة ، أتذكر أولها ، لأنه بعد أن بدأ انهمك في كتابتها خجلت بأن أكون قاسيا عليه أكثر كأفراد هذا المجتمع الذي يمتلئ باللصوص ، كتب في بدايتها :
" عمر .. أسألك بالله إن كان هناك …. "
***
رن جرس الهاتف في جيبه ينبئ بوصول رسالة قصيرة ، أخرج الهاتف من جيبه وقال بصوت خافت لم يسمعه إلا أنا والملائكة والشياطين " استغفر الله العلي العظيم " وأنا لا أعرف ما السر وراء عودة الناس لبارئهم بهذه القوة قبل إقلاع الطائرات .
قرأ الرسالة مليا كأنه لا يجيد القراءة ، بعد لحظة رفع رأسه والتفت ناحيتي ، وجدني أحدق فيه متأملا هيئته الأقرب إلى هيئة القساوسة ، نظر إليّ بطريقة طاعنة في التوبيخ ، فاعتلت في نظرتي إليه ، وأخذت أتأمل الكتاب الذي كان بين يدي ، وصوت قادم من الأعلى يردد دعاء السفر " الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، سبحان الذي سخر لنا هذا … " .
كانت حركته المتوالية دافعا لي بأن أعيد النظر إليه ، كان يخلل لحيته بأصابعه ويردد مع الصوت بشكل خافت ، لم يكن شابا ، ولم يكن مسنا ، كان في المرحلة التي يعتقد فيها المرء بأنه جدير بأن ينصح الآخرين ، كان يرتدي ثوبا ملونا ، وشماغا أحمر ، في تلك الأثناء كان الصوت يردد " وسوء المنقلب في المال والأهل " ، بعد الانتهاء من دعاء السفر ، قال لي هذا الرجل الملتحي بكل جرأة :
- كيف أستطيع مساعدتك .
- عفوا .
- كنت تنظر إلي وكأنك تعرفني .
- لا ، لا أعرفك .
- كان الأجدر بك أن تردد دعاء السفر دون النظر إلى الآخرين .
- أنا آسف .
لم يرد أبدا ، إنما أخذ ينظر إلى السقف كراهب ، وكنت أتأمل الكتاب بين يدي كبوذي ، والله من فوقنا يشاهد تديننا الكوني ذاك ، أقلعت الطائرة مفارقةً الأرض لتلج بنا في كثافة غير مرئية ، عندها لم يكن من هذا الرجل الملتحي إلا أن قام وأخرج كتابا من حقيبة جهازه المحمول القابع في الدرج فوق رأسه وفتحه وبدأ يقرأ .
***
كان مكتوب في إحدى الصفحات ما نصه :
" الموت هذا اللغز الوجودي العملاق ، إنه أكثر ما يؤرق الإنسان تفكيرا ، لأنه حدث مهول غير مقنع ، فالموت هو الحدث الحياتي الوحيد في عالم البشر الذي يشعر حياله المرء بالغباء ، لأنه غير مبرر البتة ، فالإنسان حينما يتساءل : لماذا أموت ؟ لماذا كان الموت ؟ أو كيف هي الآلية التي وفقها يموت البشر ؟ يحس بأنه عاجز عن الحركة ، لأن الإنسان ربما يتصالح مع الغيبيات ، لكنه لا يمكن أن يتصالح مع المتناقضات أبدا .
إن المرحلة الأكثر حيرة في رحلة البشر إلى الموت ليست في الموت بحد ذاته إنما في حياة البرزخ ، الحياة التي يعيشها الإنسان وسط حفرة تدعى قبرا ، فكما نعرف بأنه وفق ما تقوله الشريعة الإسلامية بأن القبر أول منازل يوم القيامة ، فإذا صلح عمل المرء كان قبره روضة من رياض الجنة ، وإذا فسد عمله كان قبره حفرة من حفر النار ، لكن المرء يحار فعلا حينما يتساءل : إن كان قبر الإنسان روضة من رياض الجنة فلماذا يخشى الحساب يوم القيامة ؟ لأنه ثمة دلالة بأن عملة قد قبل … "
قلبت الصفحة وأكملت القراءة :
" أما إذا كان قبره حفرة من حفر … "
عندها سمعت صوت الشاب بجانبي يقول " لو سمحت " ، ألتفت إليه متسائلا ، فقال خجلا " بقي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ